عبقرية “الألغاز” الأردنية! …د. محمد أبو رمان

عبقرية “الألغاز” الأردنية!    …د. محمد أبو رمان

ربما لا نجد تفسيراً لأسلوب الحكومة والمسؤولين في “إدارة الأزمات” سوى أنّ العبقرية الإدارية الرسمية تتمثّل في “صناعة الألغاز”، فتدفع الجميع إلى التحليل والتفكير، والقيام بعمليات الضرب والقسمة، لمعرفة الأهداف الكامنة وراء هذا النمط من الإدارة، وربما تنتهي القضية، والجميع ما يزال “يتحزّر”، بمن فيهم مسؤولون وسياسيون، وربما وزراء عاملون، حائرون يفكرون يتساءلون (على رأي المرحوم عبد الحليم حافظ)، فيما وراء الأكمة، إن كان هنالك شيء فعلاً!

الملف الأول، هو توقيف النائب يحيى السعود، المقرب من الأوساط الرسمية، على خلفية “التحريض على القتل” في قضية إطلاق النار في قضية النائبين الشريف والدميسي. فالرجل أوقف قضائياً، وتم رفض تكفيله، ثم خرج بعد تدخل النائب العام في محكمة الجنايات الكبرى، من دون أن نعرف الأسباب السياسية الحقيقية الكامنة وراء ذلك، وهدف التوقيف، في الوقت الذي كان رئيس الوزراء يؤكد أنّه سياسياً- ضد التوقيف تماماً، أما السعود فكان يتهم الرئيس.

لاحقاً تبخّرت التهم الموجّهة إليه، على الأقل واقعياً، فلماذا تم توقيفه؟ ولماذا خرج؟ ربما هو نفسه لا يعرف، ويشعر بالحيرة أمام تأكيد رئيس الوزراء على أنّه “بريء” من اتهامه له بالوقوف وراء اعتقاله، لكن المهم أنّنا (إلى الآن) لا نعرف من يقف وراء القصة، وما الرسالة المطلوبة، هل هي للسعود؟ أم لآخرين، كما يعتقد سياسيون متذاكون؟!

الملف الثاني، هو اعتقال الناشطين في الحراك، إذ تم إلقاء القبض عليهم، وتحويلهم للقضاء العسكري، بتهم “تقويض نظام الحكم”، بعد إعلان رئيس الوزراء نفسه بأنّ الملك طلب التعجيل بإجراء تعديلات قانونية تتناسب مع حصر صلاحيات محكمة أمن الدولة دستورياً!

تحرّكت الوساطات والجهود السياسية والدعوات الدولية والداخلية، الحقوقية والإعلامية، للمطالبة بالإفراج عنهم، وشعرت الحكومة بالإحراج، حتى أنّ الأمر طُرح أكثر من مرّة في مجلس الوزراء نفسه، بعد احتجاج وزراء على الاعتقالات، وتخبّطت الحكومة في تفسير التناقض بين التوجهات السياسية المعلنة وما يحدث على الأرض، وتناقضت بين تصريحات للعلن وأخرى في الجلسات الخاصة! بالنتيجة؛ لجأ رئيس الوزراء للقول بأنّ تهمهم ليست سياسية.

ثم جرى الإفراج عنهم بكفالات قبل يومين، بعد أن تلاشت التهم “غير السياسية”، من دون أن نفهم “لغز” الإصرار على أساليب سبقت تجربتها وفشلت، ولا تأتي إلا بنتائج عكسية، وتخلق حالة من التعاطف والانتشار لخطابات قد يختلف كثيرون مع سقوفها أو مبرراتها في الأصل!

الملف الثالث، وهو أزمة الزملاء العاملين في صحيفة الرأي، التي عاشت أمس إضراباً إلى ساعات المساء، كان يهدد بعدم صدورها اليوم (لا نعرف التطورات حتى كتابة هذا المقال)، بدأ الموضوع عندما طالب الصحفيون مجلس الإدارة بصرف مكافآت الشهر السادس عشر، وفقاً للاتفاقية العمّالية الموقعة بين الطرفين سابقاً.

المجلس لم يستطع الالتزام بذلك، لأسباب متعلقة بالوضع المالي للصحيفة، كما كان يؤكد. تدحرجت الأزمة وكبرت، واعتصم الصحفيون في الشارع، وهدّدوا بالإضراب، بينما كانت الحكومة تبلغهم بأنّها لن تساعد في تحقيق مطالبهم، لأنّ هنالك أزمة مالية.

لكن قبل يومين من موعد الإضراب، ومن دون مقدمات، يتفاجأ رئيس مجلس الإدارة، علي العايد بتغييره، واختيار مجلس إدارة جديد برئاسة مازن الساكت مكانه، وبقبول الحكومة، عبر ممثليها، بمنح السادس عشر للموظفين.

إلاّ أنّ الموظفين رفضوا المجلس الجديد، وأصرّوا على إضرابهم، إلى حين تغييره، فانتقلنا إلى “معركة” أخرى! فإذا كان لدى الحكومة الاستعداد للموافقة على السادس عشر، لماذا حدثت الأزمة وتطورت وأنجبت أزمات أخرى، ووتّرت الأجواء، وأطاحت بمجلس الإدارة، في هذه المؤسسة الإعلامية العريقة!

من الصعوبة الحصول على إجابات حاسمة ومنطقية لهذه الألغاز، إلاّ أن علينا الإقرار بأنّها بحد ذاتها “صناعة عبقرية”!
(الغد)

إطبع

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة وكالة الثريّا الإخبارية © 2017. لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر وكالة الثريّا الإخبارية

الصعود لأعلى